فخر الدين الرازي
127
تفسير الرازي
البحث الثالث : قال قوم : إنه تعالى أخرج هذه الثمرات بواسطة هذا الماء المنزل من السماء على سبيل العادة ، وذلك لأن في هذا المعنى مصلحة للمكلفين ، لأنهم إذا علموا أن هذه المنافع القليلة يجب أن تتحمل في تحصيلها المشاق والمتاعب ، فالمنافع العظيمة الدائمة في الدار الآخرة أولى أن تتحمل المشاق في طلبها ، وإذا كان المرء يترك الراحة واللذات طلباً لهذه الخيرات الحقيرة ، فبأن يترك اللذات الدنيوية ليفوز بثواب الله تعالى ويتخلص عن عقابه أولى . ولهذا السبب لما زال التكليف في الآخرة أنال الله تعالى كل نفس مشتهاها من غير تعب ولا نصب ، هذا قول المتكلمين . وقال قوم آخرون : إنه تعالى يحدث الثمار والزروع بواسطة هذا الماء النازل من السماء ، والمسألة كلامية محضة ، وقد ذكرناه في سورة البقرة . البحث الرابع : قال أبو مسلم : لفظ * ( الثمرات ) * يقع في الأغلب على ما يحصل على الأشجار ، ويقع أيضاً على الزروع والنبات ، كقوله تعالى : * ( كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ) * ( الأنعام : 141 ) . البحث الخامس : قال تعالى : * ( فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم ) * والمراد أنه تعالى إنما أخرج هذه الثمرات لأجل أن تكون رزقاً لنا ، والمقصود أنه تعالى قصد بتخليق هذه الثمرات إيصال الخير والمنفعة إلى المكلفين ، لأن الإحسان لا يكون إحساناً إلا إذا قصد المحسن بفعله إيصال النفع إلى المحسن إليه . البحث السادس : قال صاحب " الكشاف " : قوله : * ( من الثمرات ) * بيان للرزق ، أي أخرج به رزقاً هو ثمرات ، ويجوز أن يكون من الثمرات مفعول أخرج ورزقاً حال من المفعول أو نصباً على المصدر من أخرج لأنه في معنى رزق ، والتقدير : ورزق من الثمرات رزقاً لكم . فأما الحجة الرابعة : وهي قوله : * ( وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره ) * ونظيره قوله تعالى : * ( ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام ) * ( الشور : 32 ) ففيها مباحث : البحث الأول : أن الانتفاع بما ينبت من الأرض إنما يكمل بوجود الفلك الجاري في البحر ، وذلك لأنه تعالى خص كل طرف من أطراف الأرض بنوع آخر من أنعمه حتى أن نعمة هذا الطرف إذا نقلت إلى الجانب الآخر من الأرض وبالعكس كثر الربح في التجارات ، ثم إن هذا النقل لا يمكن إلا بسفن البر وهي الجمال أو بسفن البحر وهي الفلك المذكور في هذه الآية . فإن قيل : ما معنى وسخر لكم الفلك مع أن تركيب السفينة من أعمال العباد ؟ قلنا ؛ أما على قولنا إن فعل العبد خلق الله تعالى فلا سؤال ، وأما على مذهب المعتزلة فقد أجاب القاضي عنه فقال : لولا أنه تعالى خلق الأشجار الصلبة التي منها يمكن تركيب السفن ولولا خلقه